محاضرة علميَّة عن اتِّجاهات التفسير بالمركز الليبي لشؤون القرآن الكريم

نظَّم «المركز الليبي لشؤون القرآن الكريم» مساء أمس الخميس، محاضرةً علميَّة عُنوانها: «التفسير القرآنيُّ بين التجميد والتجديد» ألقاها: فضيلة الشيخ أ. د. خالد إبراهيم المحجوبي أستاذ الشريعة والدراسات الإسلاميَّة بجامعة صبراتة، وعضو لجنة الخبراء، بمجمع القرآن الكريم.

قدَّم للمُحاضرة أ. علي يونس (نائب رئيس المركز، مدير وحدة النشاطات والفعاليات) الذي مهَّد لها بمدخل عن التفسير، ومدارسه، ومظاهر التجديد والتجميد فيها، وتقديم وافٍ بالمحاضر، ومكانته العلميَّة، والأكاديميَّة، وأبرز مؤلفاته، ومحطات مسيرته.

شرع بعدها المحاضر في بيان موضوع محاضرته، ودواعيها، استهلَّها بالحديث عن مكانة القرآن المجيد، ومركزيَّته للأمَّة الإسلاميَّة، ثمَّ عرَّج على ما أسماه «وَهَن المآل التفسيريِّ» وعدَّه من أبرز دواعي اختيار موضوع هذه المحاضرة، ذاكرًا رصدًا إحصائيًّا لكتب التفسير في التراث الإسلاميِّ، مقسَّمة على القرون الهجريَّة، مُجليًا بعض السياقات، ومُبديًا عديد الملاحظات.

بعد ذلك؛ دخل في المحاور الرئيسة للمحاضرة، بدأها بمحور (التجميد التفسيري) والركود التفسيريِّ، وتعريفه، وبيان حدوده الزمنيَّة، ثمَّ تطرَّق إلى بعض أسبابه، جاء منها: ضعف هِمم المتأخِّرين، وسيادة عقدة القديم لقدمه، وتهيُّب الدخول إلى عالم القرآن المَجيد للقادر. وما ترتَّب على كلِّ ذلك من: إضاعة الإفادة، والتهاون في واجب التدبُّر، والإمعان في هجران القرآن، وتجفيف منابع الاستمداد القرآنيِّ، وختم السياق بالحديث عن اصطناع القطيعة بين التفسير والحديث.

في المحور الثاني من المحاضرة (التجديد التفسيري) تحدَّث المحاضر عن آفاق استغوار النصِّ القرآني، وضرورة اكتناه معارفه، دون الاكتفاء بإنتاج الأسلاف في حالةٍ أسماها: «حالة فتح المصحف» موضِّحًا أنَّ التجديد متطلَّبٌ تشريعيٌّ، وشرعيٌّ.

عدَّد بعد ذلك مظاهر النزوع التجديدي، فجاء منها: ظهور أنواع تفسير جديدةٍ، وزوايا مبتكرة في التفسير القرآني، وظهور علماء مُبدعين أثروا الدرس التفسيريَّ المُعاصر، منهم: الفراهي، وابن عاشور.

عرَّج المحاضر بعد ذلك على آليَّاتٍ وضعها للتجديد التفسيري، منها: ترك الاتباع غير الواعي والاجترار، وتنويع الأدوات التفسيريَّة، وتوقيع القرآن، وتمحيض التدبُّر، واجتناب القطيعة مع القديم، شارحا كلَّ فِقرة منها، وموضِّحًا مقاصدها، وممثِّلًا لها.

خاتمًا محاضرته، بالحديث النقدي عن بعض المدارس المعاصرة في تفسير القرآن الكريم، مجدِّدا الحديث عن الإنصات للقرآن، وتدبُّره بتأمُّلٍ مُركَّزٍ، وأنَّ التجديد حقُّ القرآن على علماء الأمَّة.

فَتَحَ مقدِّم المحاضرة باب الحوار، فأعطى الكلمة الأولى إلى د. المكي أحمد المستجير (رئيس المركز) الذي شكر المُحاضر على تلبيته الدعوة، ودعمه لنشاطات المركز، وهو الذي سافر من صبراتة إلى طرابلس، خِصِّيصى لإلقاء المحاضرة، ثمَّ الإياب، وشكر المتابعين عبر الأثير وقد تجاوز عددهم المئات على البث المُباشر.

منبِّهًا طلبة العلم إلى أمرين، الأوَّل: أنَّ للمحاضرة فوق أهميَّتها العلميَّة؛ أهميَّة لغويَّة وأدبيَّة؛ وذلك لفصاحة لسان المحاضر، وبلاغة بيانه، وقدرته على نحت المصطلحات، وابتكارها. والثاني: مزاوجة المحاضر بين العلوم الدينيَّة والمدنيَّة، وأثر ذلك على سَعة أفقه، وفهمه، ومتابعته لما يُستجدُّ في الحقول القرآنيَّة والفكريَّة المُعاصرة.

أمَّا د. رضا محمَّد جبران (أستاذ الدراسات الأدبيَّة في جامعة طرابلس، كليَّة الدعوة الإسلاميَّة) فقد تمحورت مداخلته على دور المناهج الدراسيَّة في ردم الهُوَّة بين الواقع والقرآن الكريم. تلا ذلك د. أحمد الضباع (رئيس قسم اللغة العربيَّة، والدراسات الإسلاميَّة بكليَّة التربية، جامعة طرابلس) الذي عدَّ بعض الزوايا الجديدة لتفسير القرآن الكريم (مثل: التفسير الهندسي) ليس لها مثال سابق في التراث، متسائلا: هل يمكننا عدُّها مستقلة بذاتها؟

وكانت مداخلة حمزة الشيخي تعليقا على قول المحاضر عن القطيعة المصطنعة بين القرآن والحديث، وأنَّه يرى أنَّ القطيعة مع السيرة هي الأوجب بالذكر والتخصيص، والأكثر أهميَّة. من جهته، أشار أ. د. المرزوقي علي المرزوقي (رئيس قسم الفلسفة والدراسات الإسلامية، الأكاديميَّة الليبيَّة) إلى أنَّ آفاق التفسير المعاصرة تستلزم اليوم فريقا من المفسرين، متعدِّد التخصُّصات، في جهد جماعي، لأنَّ تنويع الأدوات التفسيريَّة، يصعب جدا اجتماعها في فرد واحد.

وفي آخر مُدَاخلتَيْن، أشار في إحداهما د. ضو عمر ضو جماعة (كليَّة التربية، جامعة طرابلس) إلى أسباب تهيُّب العلماء الأكفياء دخول عالم التفسير، وفي الأخرى أشار أ. علي يونس (نائب رئيس المركز) إلى تحوُّل التفسير عند بعض المعاصرين إلى تحكُّم لا دليل عليه، منبعه دوافع شخصيَّة، وليُّ أعناق النصوص، مثل: التفسير الاشتراكي، والحركي، والتعسف في التفسير العلمي، وغيره.

في ختام المحاضرة، كرَّم رئيس المركز، الدكتور المحاضر، تقديرًا لإسهاماته العلميَّة وجهوده الفكريَّة، كما أهدى المُحاضر مجموعة من مؤلَّفاته إلى مكتبة المركز.