استفتح «المركز الليبي لشؤون القرآن الكريم» مساء أمس الثلاثاء (14 أكتوبر) أولى محاورات مبادرته الجديدة: «منتدى الكتاب القرآني» باستضافة د. نزار ميلاد كريكش، لنقاشه أفكار كتابه الجديد: «العقل القرآنيُّ: مُقارَبةٌ نظريَّةٌ بين حدود الوعي، وآفاق النص»
استفتحَ المُحاورة وأدارها: أ. علي يونس (نائب رئيس المركز) الذي رحَّب بالحاضرين، وعرَّف بأبرز أفكار الكتاب، ومحطَّات مؤلِّفه البحثيَّة، والأكاديميَّة. ثم أحال الكلمةَ على د. المكِّي المُستجير (رئيس المركز) الذي نوَّه بنشاطات المركز السالفةِ، من محاضرات ومسابقة بحثيَّة.
ثمَّ تحدَّث عن «مُنتدى الكتاب القرآني» والأهداف المنشودة به، ومقاصد المركز من تأسيسه، مُشدِّدًا على أهميَّة القراءات الفاحصة، والحوارات النقديَّة الجادَّة. وأنَّ المُنتدى يسعى لنقاش الأطروحات القرآنيَّة المعاصرة، في كلِّ الثقافات واللغات، وأنَّهم بصدد استضافة مستشرقة فرنسيَّة لها منجزها في دراسة المخطوطات القرآنيَّة.
قُدِّم بعد ذلك: د. نزار كريكش (الطبيبُ الاستشاريُّ المتخصِّص في علوم الإدراك والأعصاب) لعرض أبرز أطروحات كتابه، وأفكاره الجوهريَّة، عن الوعي البشريِّ وآفاق النصِّ القرآنيِّ؛ فاستفتح حديثه معرِّفا بعلوم الإدراك، وارتباطها بفهم آليَّة عمل الدماغ البشري، والثورة التي أحدثها اكتشاف الرنين المغناطيسي الوظيفي (FMRI).
ثمَّ مهَّد لموضوعه الرئيس؛ بالحديث عن نظريَّات توليد اللغة، والشبكات العصبيَّة، وأثر القرآن الكريم على الدماغ البشريِّ، وقدرته على بناء أنموذج معرفيٍّ. مستدلِّا على ذلك بوجود تَكرار في القرآن الكريم، لا من حيث بلاغة تصريف القول، التي توكد على انعدام التطابق الكلي، بل من حيث تَكرار الأنماطِ، والمقاصد، والفكرة العامَّة.
أورد بعد ذلك تصوُّرًا عامًّا للأنماط الخمسة في سور القرآن الكريم (المُستقبَل وسُنَّة الهِداية، الاختلاف وسُنَّة التدافع، التفاوت والنِّزاع، الزمنُ والأجل، التطوُّرُ والتحوُّل العظيم) مدلِّلًا على كلِّ واحدةٍ منها، بأمثلةٍ من سور القرآن الكريم، وآياته، داعيًا إلى ضرورة قراءة القرآن بوصفه مصفوفة، مع الاهتمام بمجموعات السور القرآنيَّة، وتوكيده على أهميَّة التدبُّر وفق الوحدة القرآنيَّة، وأنَّ أسماء الله الحُسنى وصفاته بابٌ عظيم لفهم القرآن الكريم.
وفي القسم الأخير من عرضه لأفكاره، وهي هدف كتابه، نوَّه إلى أهميَّة تحويل هذه الأنماط الخمسة في القرآن الكريم؛ إلى أنموذج معرفي، يكون له أثرُه في عقول المسلمين -والمتأثِّرين بثقافتهم- وآليَّة تفكيرهم، ليس هذا الأنموذجُ لدراسة القرآن وحسب، بل أنموذجا معرفيًّا يصلح لدراسة أيِّ علم، وتحليله، وقياسه.
خاتمًا كلامه، بأنَّ عرضه هذا لا يُغني عن قراءة الكتاب، الذي فصَّل فيه فكرتَه، وهو جزء من مشروع عن الأنموذج المعرفي من القرآن الكريم، بدأه بكتابه «مؤشِّرات قرآنيَّة» الذي فصَّل فيه الأمثلة، ثم جاء كتابه هذا «العقل القرآنيُّ» الذي حاول فيه التأسيس النظري للفكرة، وسيليها كتاب أخير يختم بها هذه السلسلة.
مجدِّدًا القول: إنَّ الحضارة الإسلاميَّة لها أنموذجها المعرفيُّ الخاصُّ، وعليهم اكتشافه، والوعي به، واستثماره.
بعد فراغ المحاضر؛ شهِدَ المُنتدى، مُحاوراتٍ جادَّة، ونقاشاتٍ قويَّة؛ بدأها د. صلاح سالم كمش (أستاذ الأدب العربيِّ، والمُستشار في الهيئة الليبيَّة للبحث العلمي) مُشيدًا بعُمق المحاضرة، وأطروحاتها، واصفا بعضها بالتعسُّف، متسائلا: عن التوفيق بين تيسُّر القرآن للذكر ونفي التكلُّف عنه، وبين تعقيدات هذه الأطروحات؟
أمَّا د. ضو عمر جماعه (كليَّة التربية، جامعة طرابلس) فقد أشار إلى نقطةٍ ذكيَّة، معلِّقًا على قول المحاضر: “إنَّ الحضارة الإسلاميَّة ليست دينًا وحسب، بل هي أنموذجٌ معرفيٍّ، يؤثِّر على كلِّ من كان مرتبطًا بها، وإن لم يكن مسلما” متسائلا: هل ما نشهده اليوم، من تضامُن منقطع النظير، لإسبانيا، مع غزَّةَ، والقضيَّة؛ له ارتباطٌ بهذا الأنموذج الإسلاميِّ، وآثار المسلمين المعرفيَّة، في الثقافة الإسبانيَّة؟
من جهته، طرح أ. منصور بوشناف (الأديب، والكاتبُ) جملةً من التعقيبات، والتساؤلات. بدأها بالقول: إنَّ الكتاب محاولةٌ جادَّة في سياق نظريَّة المعرفة، مستعرضًا بعض التجارب التاريخيَّة والمُعاصرة، في الثقافة الإسلاميَّة. مُبديًا تقديرَه لتطبيق المؤلِّف العلم البيولوجي في المعرفة، الأمرُ الذي ظلَّت البشريَّة في تاريخها الحديث، تنأى عنه، وتقرأ المعرفة بعيدا عنها.
خاتمًا كلمته بقوله: إنَّ المحاضر في أوَّل كلامه، شوَّقنا بالحديث عن نظريَّاتٍ فلسفيَّة مُعاصرة، فتوهمنا أنَّه سيطبقها على النص القرآني؛ لنُفاجأ بأنَّه يعرض أفكارًا وافتراضاتٍ مُستمَدَّةً من القرآن ذاته. وهي مفاجأة محمودة.
لتُحال الكلمة على د. طارق عبد الحميد الجيَّاش الذي أشار إلى أنَّ العقل البشريَّ محدود، وعاجزٌ عن استيعاب النصِّ الإلهيِّ، فلا بُدَّ له أن يكون داخل أفق القرآن. أمَّا أ. حسين المزداوي (الكاتب، والمُثقَّف، والدبلوماسي) فقد أشاد بأفكار الكتاب، وجرأة المؤلِّف في التحليل، مُنتقدًا -في الوقت ذاته- عُنوان الكتاب، لأنَّ إضافة العقل إلى القرآن؛ توهم أنَّ الكتاب بشريٌّ، مقترحا أن يكون العُنوان: العقل في فهم القرآن.
خاتمًا مداخلته بأنَّ المزج بين طريقتي التفكير: العموديَّة والأفقيَّة، تقرَّب العقل إلى الفهم الأدق للمعنى، ويقصد بذلك: البحث عن معنى كلمة من حيث اللغة وتطور دلالاتها، ثمَّ النظر في السياقات العامَّة والخاصَّة.
وفي مُداخلةٍ أخيرةٍ؛ نوَّه أ. د. المرزوقي علي المرزوقي (رئيس قسم الفلسفة والدراسات الإسلامية، بالأكاديميَّة الليبيَّة) إلى أنَّ هذا الطرحَ على عمقه وجِدَّته، لا يخلو من محاذيرَ، ويحتاج –في تقديره- إلى ضوابط لفهم النصِّ، لأنَّ إعمال بعض النظريَّات على القرآن الكريم، قد يوقع في فخِّ تطويعها لما لا دليل عليه.
وبعد أن أجاب المُحاضر، باستفاضةٍ عن هذه التعقيبات والتساؤلات، كرَّم رئيسُ المركز (د. المكي المستجير) ضيفَ المُنتدى (د. نزار كريكش) تقديرًا لإسهاماته الفكريَّة في الدراسات القرآنيِّة، وتثمينًا لإثرائه نشاطات المركز، وتلبيته للدعوة.










