الاستشراق الروسي على طاولة المركز الليبي لشؤون القرآن الكريم

نظَّم «المركز الليبيُّ لشؤون القرآن الكريم» بمقرِّه بطرابلس، عصر الخميس الماضي (07 مايو) محاضرة علميَّة عُنوانها: (الدراسات العربيَّة والقرآنيَّة في سانت بطرسبرغ) ألقاها المستشرق الروسيُّ البروفيسور د. إيغور جيراسيموف (الباحث المختصُّ في الدراسات العربيَّة بروسيا)

ووسط حضور نوعيٍّ مميز؛ استفتح د. المكي أحمد المستجير (رئيس المركز) المحاضرةَ بالقول: إنَّها من ثمرات زيارة المركز العام الماضي إلى بطرسبرغ، وما نتج عنها من تشبيك وتعاون.

ثمَّ أوضح الإطار العام للمحاضرة، بالحديث عن الاستشراق الروسي، وأبرز محطَّاته، وروَّاده، وإسهاماته، وتأثير الثقافة العربيَّة والإسلاميَّة على شعرائه، ومفكريه وفلاسفته. وختم تقديمه بالتعريف بالمؤلِّف، وسيرته الأكاديميَّة، والبحثيَّة، معرِّجًا على صفاته الأخلاقيَّة والإنسانيَّة، التي وقف عليها بنفسه، إبَّان لقائه به في روسيا، وإبَّان ترتيب زيارته الأولى إلى ليبيا.

بعد ذلك، أحيلت الكلمة إلى الأستاذ المحاضر البروفيسور جيراسيموف (الأستاذ في قسم تاريخ الشرق الأوسط، كليَّة الدراسات الأفريقيَّة والآسيويَّة، St Petersburg University) الذي استهلَّ محاضرته بشكر المنظِّمين والإشادة بنشاطاتهم ورؤيتهم، مثمِّنًا الجهود المبذولة منهم في صناعة صورة إيجابية عن ليبيا في عيون الآخرين، كما نقل الشكر إلى المركز؛ نيابة عن رئاسة الجامعة.

ليشرع بعد ذلك في محاضرته، بدءً بمدخل عن تاريخ دخول الإسلام إلى روسيا، ومعرِّجا على رحلة ابن فضلان (309هـ) والتغيُّرات السياسيَّة الكبرى التي مرَّت على روسيا عامة ومدينة سانت بطرسبرغ خاصَّة، لا سيما في عهد بطرس الأكبر؛ وربطها بنشأة الاستشراق الروسي وتطوُّره؛ من قازان إلى سانت بطرسبرغ.

ليخلص بعد ذلك إلى الحديث عن مدارس الاستشراق الروسي، ومناهجه، وأبرز شخصيَّاته وتطوُّر مؤسَّساته (اللغويَّة والأكاديميَّة) مع بيان مسيرة الترجمات القرآنيَّة، ومجمل الدراسات العربيَّة. وكان من الأسماء المبكِّرة: فراهن، جوتليب، بيرنغاردت دورن، ألكسندر كاظم بك، سينكوفسكي، عيَّاد طنطاوي، وغيرغاس، وغيرهم. ومن الأسماء المتأخِّرة كلثوم عودة، ومدنيكوف، وسيميونوف، وكريمسكي، وكراتشكوفسكي، وبارتولد، وكانتيمير، وغيرهم.

خاتمًا محاضرته بالتركيز على المخطوطات القرآنية في جامعة سانت بطرسبرغ الحكوميَّة، ببيان عددها، ووصفها، وتوضيح خوارج المخطوطات وحواملها، في سرد شائق ماتع.

وفي فقرة الحوار، أعطيت الكلمة الأولى للبروفيسور د. حيدر أغانين (الباحث والمترجم، ومعالي سفير روسيا لدى ليبيا) حيث ركَّز في كلمته على العلاقات الليبيَّة الروسيَّة في المجالات الثقافيَّة، مُبرزًا مكانة المحاضِر الأكاديميَّة في روسيا، وأنَّه قد فتح أعينهم أيضا على الكنوز العربيَّة في المكتبات الروسية وسانت بطرسبرغ تحديدًا.

ليليَه أ.د. علي رحومة (خبير تقنية المعلومات بـمجمع اللغة العربية – ليبيا) الذي تساءل عن خلفيَّة تأثر الشاعر روسيا الأكبر بوشكين بالثقافة الإسلاميَّة. مؤكِّدا أنَّ العلاقات الثقافيَّة بين روسيا وليبيا كانت قويَّة من أيام المملكة الليبيَّة، إذ كانت المكتبات زاخرة بالكتب الأدبية الروسية والفكرية.

ليؤكِّد كلامَه أ. حسين المزداوي (الكاتب، والباحث، والدبلوماسي) موضِّحا أنَّ العلاقات الثقافية كانت قويَّة، وأنَّّهم كانوا يقرؤون في شبابهم الأدب الروسي، مع اعترافه بخفوت هذا التأثر في العقود الأخيرة، وضعف حضور اللغة الروسية. مُشيرا إلى جهود د. المختار كرفاع في دراسة تاريخ ليبيا الحديث في الأرشيف الروسي.

أمَّا أ. مفتاح قناو (الكاتب، والمحامي، ورئيس الجمعية الليبية للآداب والفنون) فقد أوضح وجوها من العلاقات الثقافيَّة بين البلدين، مثل: حضور اللغة الروسية بين مثقفي السبعينات، وعمل الأديب الليبي إبراهيم الكوني في روسيا، وتخرُّجه في أحد معاهدها (غوركي) وترجمة بعض أعماله إلى الروسيَّة، خاتما مداخلته بشكر المحاضر على هذه الإطلالة للذاكرة الثقافيَّة.

وفي مداخلة مهمة أوضحت المستشرقة الإرمينيَّة (آنا أنطوانيان) سرورَها البالغ بحضور المحاضرة، وأنها لم تكن تتوقع أن تلتقي بالمستشرق جيراسيموف، وتستمع إليه، وتجلس بجانيه؛ في ليبيا! وهي التي كانت تقرأ كتاباته وهي طالبة. شاكرةً جهود المركز الذي أتاح لها هذه الفرصة.

ثمَّ استأنفت مداخلتها بالحديث -حسب رؤيتها- عن مميزات الاستشراق الروسي، منها: أنه تيار علمي أكاديمي، وأنَّه على عكس المدارس الأوربيَّة التي تركز على دراسة حالات معينة، فإنَّ الاستشراق الروسي يسمح للطلبة بدراسة موضوعات واسعة، ومتنوِّعة، وأنَّه أسهم في تلبية احتياجات روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقا، والعناية بجامعاتها، وتأسيس أكاديميات العلوم بها.

أعطيت المداخلة بعد ذلك إلى الدكتور علي أبوراس (المستشار في المحكمة العليا اللّيبيّة) الذي تحدَّث أيضا جوانب العلاقات الثقافية بين البلدين، ذاكرا مقالاتٍ بن فرناس، وحلقاته التعريفيَّة بحال المسلمين في روسيا، ومذكَّرات سفير ليبيا الأسبق لدى روسيا (سليمان الضرَّاط) وإسهامات الجامعة الليبيَّة في ترجمة بعض الكتب الروسيَّة، خاتما مداخلته بالتنويه على مخطوط كتب باللهجة الليبيَّة تحدَّث عن الحرب الروسيَّة العثمانيَّة.

أمَّا د. سنان الدين تتاريفتش (المستشار بسفارة البوسنة والهرسك لدى ليبيا) فقد شكر المحاضر على الإلقاء الرائع، ونوَّه إلى أن عددًا من الدبلوماسيِّين في ليبيا يهتمون بالدراسات الاستشراقيَّة (منهم سفير صربيا، والقائم بالأعمال لدولة اليابان، وغيرهم) ولو علموا بالمحاضرة لسعِدوا بحضور هذا الحدث الكبير. ثمَّ تحدَّث عن تأثير الاستشراق الروسي في أرمينيا، مستشهدا بحضور المعاجم اللغويَّة (روسي-عربي) التي أعدَّها المستشرقون الروس، وكانت البوابة الملكيَّة للطلاب لدخول التراث العربي الزاخر.

وفي ختام الحوار، جاءت مداخلة الأستاذ عطية الحصادي (الباحث في الفيزياء الفلكيَّة، ورئيس مجلس إدارة مؤسِّسة رؤية لعلوم الفضاء، والساقية والتراث) التي لخصها في سؤالين مهمِّين: هل ما يزال الإسلام -في العقل الجمعي الروسي- جزء من الثقافة الروسيَّة أو يُعدُّ ثقافة وافدة؟ وهل من خلال هذه المخطوطات والدراسات العربيَّة في روسيا؛ هنالك نوع من تشكيل فهم جديد وفكر جديد حول العلاقة بين الدين والدولة متعدد الهويات؟

ليجيب المحاضر على هذه السؤالات والمداخلات باختصار.

وفي فقرة ختاميَّة مفاجئة، لم يتمالك فيها المحاضر مشاعره ودموعه؛ أعلن د. المكي المستجير (رئيس المركز) عن تكريم السيِّد المحاضر، لا عن محاضرته هذه وحسب، بل عن مجمل أعماله وإسهاماته، تقديرًا لمسيرته البحثيَّة الحافلة في خدمة التراث العربي والدراسات الإسلاميَّة، بإعطائه (درع المركز) وهو أعلى تقدير يمنحه المركز للباحثين.

03
04
05
2